الياس شوفاني

300

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

وفي الواقع ، وبغض النظر عن الدعاية الصهيونية التي تروج غياب الوعي الوطني لدى العرب الفلسطينيين ، وتركز على انتمائهم الطائفي ، وتبرز خلو الأرض من السكان ، وصولا إلى مقولة الزعيم الصهيوني ، يسرائيل زانغويل ، « أرض بلا شعب لشعب بلا أرض » ، فإنه ما من مستعمرة صهيونية قامت في فلسطين ، ومنذ البداية ، من دون صراع مع جوارها - من الفلاحين أو البدو . والدعاية الصهيونية الموجهة ، الرامية إلى تغييب سكان فلسطين الأصليين ، لتبرير منح الحركة الصهيونية « البراءة الدولية » ، تفضحها محاضر جلسات لجان المستعمرات ، ومذكرات المستوطنين الأوائل ، التي أبرزت شكواهم من المقاومة العربية . وهذه الدعاية المضللة والكاذبة تفضحها بصورة صارخة الذرائع والتبريرات التي ساقها المستوطنون لإنشاء وحدات مسلحة لحماية المستعمرات . كما يدحضها الجدل بين المستوطنين الأوائل ورجال الهجرة الثانية ، بشأن ضرورة استبدال الحراس العرب بمهاجرين يهود للقيام بالدفاع عن المستعمرات أمام هجمات المقاومين العرب . كما تكشف مراسلات القناصل الأجانب زيف هذه الدعاية ، إذ دأب هؤلاء على الطلب من السلطة العثمانية إبعاد الفلاحين العرب عن الأرض بالقوة ، وتثبيت المستوطنين الجدد عليها ، وحمايتهم . ولعل تدخل قناصل الدول الأوروبية ، وخصوصا البريطاني ، كان من أهم عوامل إحباط المقاومة العربية ، إضافة إلى فساد جهاز الحكومة التركي . ففي مقابل الضغط الروسي على السلطنة لمنع هجرة يهودها إلى فلسطين ، خوفا من الإخلال بالوضع القائم حول الأماكن المقدسة ، وبالتالي بالامتياز الذي تتمتع به بحسب معاهدة كوتشوك كاينرجي لحماية المسيحيين الأورثوذكس ، تحرك قناصل الدول الأخرى لدعم الهجرة اليهودية . والقيود التي فرضتها السلطنة على هجرة يهود روسيا منذ بداية الثمانينات ، حركت ردة فعل قناصل الدول الأوروبية ( 1884 م ) . واضطرت السلطنة إلى تخفيف تلك القيود ، استجابة لادعاء تلك الدول بأنها تخالف مبادئ الامتيازات التي يتمتع بها مواطنوها . وكان المهاجرون اليهود يحتفظون بجنسياتهم الأصلية ، أو يدخلون لدى وصولهم تحت حماية إحدى الدول ، الأمر الذي يعطي الذريعة الشكلية لقنصلها للتدخل لدى السلطات العثمانية وتأمين إقامتهم في البلد . كما كان القناصل يستغلون فساد الموظفين الأتراك ، ويجعلونهم بالرشاوى يلتفون على أوامر الدولة ، ويختلقون الذرائع لمعاقبة المقاومين العرب ، وإخلاء سبيل المستوطنين المعتدين ، أو المخالفين للأنظمة والقوانين . ومع ذلك ، تشير الدلائل كلها ، إلى أن حركة الاستيطان الصهيوني ، المدعومة